مجلة ثقافية مستقلة  تهتم بنشر الإبداعات الأدبية والفكرية  
ترجمة منصور ابوشناف
الفضاء الثقافي
بدائل الحداثة.. السبعينيات
 
بدا مطلع السبعينات من القرن العشرين فترة خصبة بالنسبة لمستقبل فن الطليعة في كل أرجاء العالم الغربي، خاصة لدى الفنانين الشبان اللذين ظلوا مشدودين لحالة الرفض التي كونتها ثقافة أواخر الستينات من نفس القرن، وبدت الانتصارات الشكلية التي تم تحقيقها على الأشكال الأولى للرسم والنحت الحدثين في تلك السنوات بداية انطلاق لإمكانيات جمالية وفلسفية جديدة، ولكن ورغم كل ذلك ومع نهاية تلك الفترة كانت الحالة مختلفة تماما,فلم تتهمش راديكالية أواخر الستينات وبداية السبعينات فقط، بل إن قائمة جديدة من الأولويات احتلت مركز الصدارة لتبدو تلك الراديكالية كما لو كانت في غير محلها، وفي احسن أحوالها عملا طوباويا..
كانت النهاية الرسمية للتورط الأمريكي في فيتنام عام " 1973" اف وكانت نهاية حكم الرئيس نيكسون بفضيحة "ووتر جيت" قداعقبتهما سريعا سلسلة من الصدمات للاقتصاد الدولي بسبب ارتفاع أسعار النفط وزيادة عمق الأزمات الاجتماعية كأزمة السكن ومشكلة حقوق المرأة  وعزلة الأقليات العرقية والجنسانية والعلاقة بين الدول المتقدمة والدول النامية ورغم أن الانعتاق من سحر الثقافة التقليدية ذات الطابع البطريركي كان واسع الانتشار عندها إلا أن إدراكا  بعجز ما طرح من بدائل اجتماعية وفنية لفترة الستينات كان قد اخذ يتنامى أيضا.. أن حالة المجتمع الفني الغربي نهاية السبعينات يمكن وصفها بالفوضى.. لذا فان ناقدة من نيويورك وهي تحاول أن تلخص حالة الفن في نهاية تلك العشرية وبعد استعراض أسماء التيارات الرئيسية لتلك الفترة من "مدرسة الكفاف والشكلانية إلى التشظي إلى المفهومية وفن الجسد إلى الواقعية الفوتوغرافية  تنهي كلامها بيأس شديد قائلة: "مع بداية السبعينات تخذلنا التسميات  ويتحلل القاموس ولايتبقى لنا مصطلح صالح للاستخدام"ثم متحدثة عن "الشيزوفرينيا والانتماء وعدم الانتماء" قائلة: إن الفنانين كانوا يحسون أن البدائل التي طرحت للحداثة الاولى كانت فارغة واستخدمت بشكل مبالغ فيه وتم استنزافها وان الفنانين تائهون ولا يعرفون أي طريق يسلكون..
بين بوادر الأمل ومرارة الإخفاق امتدت مساحة من التجارب الفنية وجرت محاولات خلال تلك الفترة لتطوير ونشر راديكالية مبكرة رغم أن التيار الواسع للثقافة عندها كان يسير باتجاه معاكس تماما..
فن المرأة الجديدة
من بين كل التيارات الثقافية البصرية خلال العشرين سنة الأخيرة من سنوات القرن العشرين ربما كان التيار الأكثر أهمية هو ذلك الذي ركز على مناقشة القضايا الجنسانية فمع بداية السبعينات كان التسليم بالثقافة الذكورية التقليدية قد تزعزع تماما وسط الفنانات المنتميات للحركة النسوية بكل تنوعاتها ومشاربها، تلك النزعة التي سبق وجسدتها حركة "فنانات الشاطئ الغربي" فترة الستينيات مثل "مريام شابيرو" و"جودي شيكاغو" وكانت الجماعات النسائية نشطة أيضا في نيويورك حيث ظهرت جماعة الفنانات الثوريات عام 1969 من التحالف الواسع للفنانين العمال ثم تأسست لجنة فن المرأة عام 1970 اف..
الناقدة "لوسي ليباردا" والفنانة السوداء "فيت رينجولد" أعلنتا احتجاجهما ضد ما سمياه التميز الذي مارسه معرض "ويتني" السنوي ضد المرأة وبدأتا مع فنانات أخريات في تنظيم معارضهن الخاصة وفتح وإدارة اروقتهن الخاصة..
على ضؤ كل ما تقدم ظهر عدد من الأفكار النقدية الهامة عن "فن المرأة" عام 1971 اف خاصة بعد نشر مقالة "ليندا نوكلين" التي كان عنوانها "لماذا لم تكن هناك فنانات عظيمات؟" في مجلة "ارت نيوز" وكذلك ظهور كتاب عن معرض "26 فنانة معاصرة" للناقدة "لويسي ليبارد" التي نظمت المعرض لمتحف "الدريش" في كونكيتكت وكانت راعيته..
كانت نوكلين قد ناقشت في مقالها المشار إليه سابقا واحدة من اكثر المسائل إثارة للجدل وهي هل كان ثمة حساسية أنثوية خاصة وهل حمل فن المرأة جوهرا خاصا؟ وخلصت وبقوة إلى انه لم تكن  هناك حساسية أنثوية خاصة ولا يبدو أنها ستكون!! فهي تؤكد عدم وجود فنانات عظيمات بمستوى "مايكل انجلو او مانييه" وارجعت أسباب ذلك إلى الهيمنة الذكورية على المؤسسات بصفة عامة وعلى مؤسسات التعليم بشكل خاص والتي كانت تقمع مواهب المرأة:فمفاهيم كالعبقرية والأستاذية والموهبة كان قد تم تصميمها لتنطبق  فقط على الرجال، رغم إن المرأة أنجزت بنفس القدر الذي أنجزه أولئك الرجال..
على العكس من ذلك تماما  كانت مقاربة لويسي ليبارد للمسألة فهي كتبت تقول: "رغم إنني لا املك تصورا واضحا عما إن كانت هناك مكونات خاصة بفن المرأة إلا إنني على قناعة تامة بان الحساسية الأنثوية لها خصوصيتها الخفية.. لقد سمعت تصورات تقول أن العامل المشترك "لتلك الحساسية" هو تلك الترابية الغامضة وتلك الصور العضوية وتلك الخطوط المستديرة  والأكثر إقناعا هو تلك البؤر المحورية.. والبؤر المحورية مصطلح أطلقته فنانة من الشاطئ الغربي هي "جودي شيكاغو" التي أوضحت في أعمالها بداية السبعينات المعاني الرمزية لصور عضو المرأة التناسلي والتابوهات المحرمة لها، مشيرة بذلك إلى جهود "جورجيا اوكيف" المبكرة لشرح الهوية الغامضة للمرأة.. ليبارد كتبت تقول: "الآن ثمة دليل على أن الكثير من الفنانات النساء حددن  "بؤرة مركزية"غالبا ما يكون شكلها العضوي استعارة مزاجية لجسد المرأة كاملا!!..
مع عام 1973 اف كانت ليبارد قد وصلت إلى تصور ابعد مدى للمخيال الأنثوي يشمل تلك الكثافة الموحدة وذلك النسيج الشامل الذي غالبا ما يمكن لمسه حسيا وذلك التكرار الدائم للهاجس الأهم  أي كثرة الأشكال المستديرة  والبؤر المحورية "المناقضة أحيانا للملمح الأول" وحزمة دائمة الوجود من الخطوط والأشكال التي تستدير على نفسها.. الأسطح أو الطبقات.. الضياع والميوعة في التناول التي لا يمكن تحديدها.. الولع الجديد بالألوان الوردية وعجائن البستل1والالوان الداكنة السريعة الزوال التي كان استخدامها محرما..
الناقد "لورانس اللوي" رفض بشدة فكرة تحديد أو تعريف فن المرأة وفقا للرمزية أو للطقوس الغابرة معتبرا الإفراط في نعومة النحت و"الفتش"2 والتستر المصطنع يمكن أن تكون مصادر فن المرأة وليس النواحي الجنسية، ولقد أنتجت أعمال كثيرة من هذا النوع من قبل عدد كبير من الفنانات الشابات نتيجة للتفاؤل والأيمان بالتقنية غير المتخصصة وبمثل بدائي أعلى مفاده أننا قادرون على الحياة اعتمادا على مصادرنا الذاتية والخاصة، وكان اعتراض"اللوي" موجها بالدرجة الأولى ضد عمل فنانة من نيويورك هي "ليندا بينجلز" التي كانت أعمالها من الرغاوي الملونة معارضة لنزعة الكفاف التي تهيمن عليها الذكورية.. كانت "ليندا بينجلز" تستخدم مرجعيات تقنية ورياضية متعددة..
"بينجلز ظلت تشعر على أية حال بأنها مهمشة من نظام فني يهيمن عليه الرجال، ففي إشارة واضحة عام  1974 اف واجهت تلك الروح الذكورية حيث قامت بالاعلان عن معرضها بنفسها وذلك بالظهور في ذلك الإعلان كفتاة "بين..اب" 3 وظهرت في إعلان آخر وهي لاترتدي الانظارات شمسية وأردافها مطلية بطلاء لبني مستخرج من شجر ليبدو ذلك الطلاء كبنطال قصير ترتديه...
بالتزامن مع كل هذه الأعمال الجمالية للمرأة والتي ظلت موضع نقاش في السبعينات كانت أنشطة فنية أخرى للمرأة قد انصبت على الجسد والفرق بين الذكر والأنثى، مثل الصور الفوتوغرافية التي تكشف عن "الجندر" والهوية لفنانات مثل "مارثا ويلسون" و"ريتا مايرز" و"كيني لاروكا" ولقد شكلت هذه الأعمال نقيضا في الشكل  وفي المواد المستخدمة لتقنيات الكفاف الخشنة لدى "رونالد جود وكارل اندري" ومثلت احتفاء بتراث الأسطح الهشة الرائد والملصقات الذي أطلقته "ايف هيس"التي توفت مبكرا بالسرطان عام 1970 اف والذي تجلى  في معرض "روزمري كاستورو" من الفايبر جلاس ومنحوتات من الحديد مثل منحوتة "السمفونية" عام 1974 اف والتي توحي بحركة الأجساد العضوية..
الكثير من أعمال "كاستورو" تذكرنا بالرقص فلقد درست الرقص مع المخرج السينمائي التجريبي "يفون رينير"..
هذه الأعمال لم تظهر الحيوية الكامنة في المواد "المبتدعة والمركبة"  فقط بل أظهرت أن النزوع في الجماليات الأمريكية الذكورية لنبذ الجسد ومرجعياته كان سائدا تماما..
لقد كان الفن النسائي الأمريكي  بداية السبعينات ذا دلالة في غاية الأهمية، فلقد أسس للمرحلة الأولى من الالتزام الفلسفي للفنانات النساء وذلك بحثا عن إجابة للسؤال الهام "كيف يمكن للنزعة النسوية أن تتجسد في الفن وكيف تستطيع المرأة أن تستخدم الجسد الأنثوي أو صوره لتوضيح الهوية الأنثوية دون أن يكون ذلك إثباتا لاتهامهن باللعب على تأثير الاستعراض الجنسي الذي كن ولأسباب أخرى يحاولن تجنبه..
كان العمل المشترك والنقاشات بين الفنانات لفهم البنى القانونية والتعليمية والمعارض وكذلك فهم ونقد الفن قد بدأ ينشط في تلك الفترة,فمشاريع مثل بيت المرأة في معهد كاليفورنيا للفنون
عام 1971 اف وعام 1977 اف والذي كان مكانا للنحت أقامته النساء للنساء ومعرض المركز الثقافي بنيويورك عام 1973 اف الذي كان تحت شعار "النساء تختار النساء" وكذلك تأسيس مجلة "هيرسيرز" في نيويورك التي خطط لها عام 1975 اف وصدر عددها الأول عام 1977 اف، كل هذه المشاريع يمكن قرأتها كفرضية تقول: إن الفن يمكن أن يكون اجمل بدون الرجال!!.. ثم كانت المراجعات لتاريخ الفن مثل مقالة "كارول دانكان" "الرجولة والهيمنة" في فن الطليعة بداية القرن العشرين  والذي نشر في "ارت فوريوم" أواخر عام 1973 اف والذي شككت فيه في قدرة مؤسسات الفن الطليعي الذكورية على البقاء، وأكدت تلك الفرضية الكثير من الأعمال النقدية المتقدمة في الثقافة والتي انشغلت بالمسألة الجنسانية والعلاقة الأيدلوجية بين "الجندر" والسياسة وقوة عالم الفن..
أشكال الفن التي أنتجتها نساء أمريكيات تلك الفترة انشغلت بتلك الفرضية وقدمت أشكالا متعددة لميل نزعة الكفاف الذكورية إلى أشغال المتلقي بمنظومة علاقات تأملية للعمل الفني وذلك لأبعاد نظر المتلقي عن كون العمل الفني دعوة للتأمل الفلسفي لتكامل الجانب المادي والوجداني لدى الإنسان..
الفنانة البلجيكية "ماري جو لافونتين" والتي أنجزت لاحقا بعض أعمال الفيديو والرسم والتنصيب  كانت في أعمالها الأولى  تقوم بصباغة القطن الذي يصنع منه قماش اللوحات باللون الأسود قبل نسجه ليعلق ذلك القماش بعد ذلك  كسلسلة من "قماش" الرسم ذي اللون الواحد لتقف تلك الأعمال كشاهد فصيح على العمل الدؤوب المرهق الذي قامت به الفنانة وليمثل الرفض الدائم من قبلها للأسطح جاهزة الزخرفة والأشكال..
في أمريكا مزجت الفنانة "جاكي وينصور" بين الأعمال التي تتطلب التكرار والعمل الدؤوب مثل الربط و الظفر وبين الفتل وتحزيم أغصان الأشجار المقطوعة لتعكس طفولتها على شاطئ "نيو فاوندد لاند" الاجرد.. أن صناديق "وينصور" المتقنة في منتصف السبعينات عبرت عن ولع كبير بتفاصيل  تلك العلب من الداخل ومن الخارج لتوفر لنا مثلا أنيقا للاختلاف النسائي وأيضا للتحدي للجماليات الذكورية..
فنانات أخريات اتجهن مباشرة إلى الأرض.. "اليس ايكوك" نزلت بأشكال "فن الكفاف" إلى تحت سطح الأرض فحفرت كهوفا وأقامت ابنية تحت الأرض والتي يمكن اعتبارها بحثا  مزاجيا عن الجوانية أو بحثا عن عادات الأسلاف المهجورة ورغبات دفن الذات..
أما عمل "ماري ميس" الذي أسمته "بلا عنوان" فان مشاهدته تتطلب رحلة شاقة إلى مناطق نائية على ضفاف نهر "هودسن" في نيويورك ولكنه بالنسبة لـ"ليبارد" كان تعبيرا عن تجارب الخيبات الغامضة المدفونة دوائرها عميقا.. الفضاءات الفاصلة بين عمل "ميس" طليت ألواحها بالقطران الأسود لتعكس تكوينات المشهد الريفي الفارغ ولتبدو الألواح من جهة أخرى واجهة زائفة.." وإذا كان لأي قطعة من العمل ملمحا هندسيا" تقول الفنانة لتنفي أي التقاء بين عملها ومدرسة فن الكفاف " فلم ينبع ذلك من اهتمام بذلك الملمح أو الشكل" ورغم الأصول المادية المحددة لعملي النحتي فأن النتيجة التي توخيتها منه لم تكن صناعة شيء"..
رغم أن فن النساء في أمريكا منذ بداية وحتى منتصف السبعينات قد تقلب خلال الصراعات بين "الشكلانية الحداثوية" والنزعة "المضادة للشكلانية المتمثلة في "فن الكفاف" وهي أشكال فنية أنتجها وتصارع نقديا حولها الرجال فأن الخلاف بالنسبة لكثير من النساء فيما يتعلق بالقواعد والممارسة كان لا ينطلق من نفس الأرضيات النظرية التي تنطلق منها صراعات الرجال.. ربما هناك استثناء وحيد تمثل في أقلية من الفنانات الراديكاليات اللاتي ارتبطن بالماركسية، ذلك الانتماء السياسي "للطليعة" والذي يؤكد تراثه على العلاقة بين "وسائل الإنتاج" وتكون الطبقات الاجتماعية والذي ظل ينظر إلى اهتمامات "الحركة النسوية" بتعال واحتقار!!..
تقول الناقدة البريطانية "جريسيلدا بولوك" "لم تكن المجتمعات التي انتج فيها الفن ذات طبيعة إقطاعية أو رأسمالية فقط بل كانت بطرياركية وجنسانية أيضا" وما كانت تحاول فعله بهذا هو ربط اهتمامات ومشاغل الحركة النسوية مع اهتمامات ومشاغل الماركسية الجديدة..
الصعوبة الثانية التي واجهتها المنتميات للحركة النسوية تعلقت بمفهوم "الطليعة" التي يبدو أن تراثها من الفكر الطوباوي والثوري كان يميل إلى تبني موقف "اللامنتمي" الذي لايتوقف عن مهاجمة قواعد السلطة والطبقة.. هذا الموقف لم يتبناه ومنذ أصوله في "الرومانتيكية" الرجال فقط بل ظل عدد من المنتميات للحركة النسوية يؤكدن دائما أن النساء ظللن "لامنتميات" عموما.. ما كن بحاجة لتأسيسه هو موقف قوي وسط التيار الطليعي العام..
مصادر الفن المفهومي خاصة الصور الفوتوغرافية ساعدتهن لتأسيس ذلك الموقف فمن بين أعمال "مارثا روزلر"المبكرة والتي استخدمت فيها الصور الفوتوغرافية كانت سلسلة من "الكولاجات" والتي مزجت بين صور من حرب فيتنام ومشاهد منزلية أمريكية وقعت في نفس الوقت" وكان عنوان ذلك العمل "ادخال الحرب إلى البيت.. البيت الجميل" عام 1967 و1972 وقد نشرت في "فن الصحافة البديل" بداية السبعينات  وكانت رد "روزلر" على الهوة التي خلقتها التقارير الإخبارية المباشرة ووسائل الإعلام الرئيسة الأخرى لعزل المشاهدين في الداخل وكل ذلك كان نتيجة إحساس "روزلر" بالمسئولية الشخصية تجاه ما يجري..
"روزلر" وفي سلسلة تحت عنوان "شارع السكيرين في سياقين وصفين غير متلائمين" أخذت صورا مختلفة تهدف لتصوير واقع السكيرين اللذين يعيشون في شوارع منهاتن السفلى ووضعتها متجاورة لتظهر كل صورة منها وهي تعارض وتنتقد الصورة الأخرى..
"شارع السكيرين" لروزلر، يمكن رؤيته كعمل ينتمي لفكر عالم الانثربولوجيا البنيوي الفرنسي "كلود ليفي شتراوس" فكما في التحليلات البنيوية في مجالات أخرى كانت "روزلر" تسعى لتحويل انتباه المشاهد من المادة أو الموضوع الذي تعرضه الصورة إلى نظم العرض نفسها,فكل عارضة حملت صورتين لواجهة مخزن خمور مهجور بشارع السكيرين وقد كتب إلى جوارها مصطلحات من القاموس المتداول لوصف حالة السكر.. مقدمة أعمالها كضد لأعمال  كانت تراها كأعمال فوتوغرافية ضحية للتوثيق الصحفي لا تؤكد إلا على الواقع المحسوس للفقر واليأس بمعناه المعمم أو المنمط ويكون ضحايا عدستها أو بالأحرى ضحايا مصورها طيعين..
"روزلر" تضع مشكلة الفقر والحرمان داخل سياق سياسات العرض نفسها فحسب تقديرها: "فان الكلمات تبدأ من خارج عالم طابور السقوط ثم تسقط فيه وذلك مطابق للاعتقاد بان الناس ينزلقون إلى عالم الكحول ليسقطوا بالتالي إلى القاع.. "المشروع " هو فعل رفض  إنه ليس تحد غير إنساني انه فعل نقدي: أن النص الذي تقرأونه الآن يسير على طريق مواز لنظام وصفي آخر، فليس ثمة صور ملتقطة سرا لسكارى.. فما الذي بإمكانكم معرفته منه ولم تعرفوه؟..
نفس المنطلقات الثقافية بإمكاننا رؤيتها في عمل الفنانة البريطانية "ماري كلي": "وثيقة ما بعد الولادة" والذي يتكون من مجموعة أجزاء..
"وثيقة" كلي والتي تصور نمو طفل وذلك بطبع بصمات جسده في فترات مختلفة من عمره على أشياء مختلفة من الحفاظات إلى ورق الكتابة إلى جانب سجل مكتوب يسجل قلق مخاوف الأم على ابنها وكذلك يومياتها التي تسجل نشاطاتها كفنانة وعلاقة ذلك بدورها كأم.. ملاحظات كثيرة عن نشاطات الطفل ونموه معروضة بعناية على جوانب العمل، وذلك حتى تمكن قراءتها وأيضا لتأثيرها البصري..
ما أسمته "كلي" أسلوب "الوثيقة المكتوبة.. البصرية" لم يكن فقط بداية انطلاق أسلوب "الوثيقة" بل إن شكله وأسسه النظرية سبقت كل الأعمال التي أنجزتها الفنانات الأوروبيات ذوات النزعة النسوية..
المغزى الفلسفي الواسع "للوثيقة" يكمن في محاولة صهر مدركين حسيين لذاتية المرأة، أحدهما مستمد من كتابات "فرويد" عن "النرجسية"، والآخر من كتابات "لاكان" عن "فرويد" كما أنها كانت أيضا تعليقا على الخطوات التي "كما كانت كلي" تعتقد تتكون من خلالها "أنوثة الأمومة" عبر العلاقة بين الأم والطفل والعملية التي يتم عبرها تشكل هوية الطفل تدريجيا وذلك من خلال الدخول إلى "النظام الرمزي" الذي هو اللغة..
المشروعان الأخيران يشيران إلى أن فن المرأة الأمريكية بمسحته المفهومية كان يميل في السبعينات إلى التجريبي العملي والوضعي والوصفي بينما تميل الأعمال الأوروبية إلى السيكولوجي والخاص والذاتي..
لقد كانت "روزلر وكلي" تمثلان موقفين قوين من الالتزام النظري وسط ساحة من الممارسات الفنية البديلة التي عرفت بشكل واسع كفن "طليعي" وذلك بتقديمهما مواضيع وأساليب عرض تتعارض مع مشاغل "البطريركية"، فلقد شكلتا وبشكل ظاهر للعيان نوعا من التوحيد بين الجنس والسياسة من جهة والثقافة البصرية من جهة أخرى في زمن كان الربط بينهما أمر لا يمكن فهمه
 
البستل: عجينة لصناعة الأقلام الملونة
الفتش: البد.. شيء كانت الشعوب البدائية أن له قدرة سحرية على حماية الشخص الذي يحمله.
فتاة ال بن _اب: صورة لفتاة يعلقها المراهقون على جدران غرفهم